صراع الصناديق وكواليس الديمقراطية: قصة نقدية في مسار الانتخابات البرلمانية بالمغرب
مقدمة عاصفة: رائحة الحبر والوعود في شوارع المدينة العتيقة
كان الغسق يلقي بظلاله النحيلة على أزقة المدينة العتيقة، بينما كانت مكبرات الصوت المنصوبة فوق عربات الحملات الانتخابية تصدح بأناشيد حماسية مصطنعة. في ذلك الركن المنسي، حيث تتراكم هموم البطالة وغلاء القدرة الشرائية، وقف «المحجوب»، الرجل الأربعيني الذي خط الزمن تجاعيده المبكرة على وجهه، يتأمل ملصقات مرشحي الانتخابات التشريعية.
كانت الصور توزع ابتسامات واسعة ومرسومة بعناية فائقة، وكأنها تعد بكنوز من ذهب. تنفس المحجوب الصعداء، والتفت إلى صديقه الحسين الذي كان يجر عربة الخضر الخاصة به، قائلاً بتهكم مرير: "ها قد عادت مفرقعات المواعيد الكبرى يا الحسين.. 5 سنوات أخرى من الكلام المعسول، ثم يعود كل شيء كما كان، كأن شيئاً لم يكن!".
لم تكن كلمات المحجوب سوى انعكاس لواقع مركب يعيشه المشهد السياسي؛ مسار طويل ومتعرج من التجربة الديمقراطية التي تراوح مكانها تارة بين طموح الإصلاح الجذري وتارة أخرى بين مطبات الجمود والقصور البنيوي.
أولاً: مسار الانتخابات البرلمانية في المغرب.. من ربيع التوازنات إلى رهان المونديال
إذا أردنا تتبع خط سير الاستحقاقات البرلمانية في المملكة، فلن نجد خطاً مستقيماً، بل مساراً أشبه بأمواج البحر؛ صعوداً وهبوطاً تبعا للمحطات التاريخية والتحولات الدستورية. منذ دستور 2011 وما رافقه من نقاشات واسعة حول النموذج التنموي، دخلت البلاد مراحل سياسية متعاقبة، وصولاً إلى المحطة التشريعية البارزة لـ 23 شتنبر 2026، والتي جاءت محفوفة برهانات كبرى تتعلق بـ "حكومة المونديال" واستحقاقات تنموية ضخمة ترتبط بتنظيم كأس العالم 2030.
تميز مسار هذه الانتخابات بتنافس حاد بين آلات حزبية ضخمة، وإعادة ترتيب أوراق المشهد الحزبي؛ حيث تصدر حزب "الأصالة والمعاصرة" النتائج الأولية بحصده 97 مقعداً، مستفيداً من تمركزه الذكي وتدبيره للقطاعات الحكومية، تلاه حزب "التجمع الوطني للأحرار" بـ 66 مقعداً، ثم حزب "الاستقلال" بـ 65 مقعداً، بينما سجل "العدالة والتنمية" المعارض عودة قوية قفزت به إلى 54 مقعداً. هذا المخاض يعكس تحولاً بنيوياً في المزاج الانتخابي، وإن ظل محكوماً بثلاثية المشاركة، والقبول الشعبي، والتوازنات الكبرى للدولة.
ثانياً: الخرقات والعلل السوداء.. حين يتحول العرس الديمقراطي إلى "سوق موازٍ"
لكن، خلف واجهة الأرقام الرسمية والتقارير التي تحدثت عن مرور الاقتراع في أجواء تنافسية عامة، كانت الكواليس تعج بالقصص السوداء التي تشوه وجه المسار الديمقراطي. لم تكن العملية الانتخابية خالية من الشوائب، بل شهدت اختلالات جوهرية فضحتها تقارير منظمات وهيئات ميدانية وازنة.
"لم يكن التصويت في بعض الدوائر تعبيراً حراً عن الإرادة الشعبية، بل تحول أحياناً إلى مزايدات مالية واستغلال مفضوح لهشاشة الفقراء والمهمشين."
من أبرز هذه الخروقات التي طفت على السطح خلال استحقاقات شتنبر 2026:
- استعمال المال الفاسد: رصدت تقارير لجان الملاحظة الحزبية والمدنية استخدام أوراق النقد بشكل مكثف للتأثير على الذمم وشراء الأصوات في بعض الدوائر الهامشية والحضرية.
- الضغط والترهيب: محاولات توجيه الناخبين عبر أساليب الضغط المباشر وغير المباشر من طرف وسطاء الانتخابات أو ما يُعرف محلياً بـ "سماسرة الأصوات".
- التلاعب بالمحاضر والأوراق: تسجيل محاولات محدودة للتلاعب بأوراق التصويت ومواجهات عرضية لعدم تسليم محاضر النتائج لبعض ممثلي اللوائح في حينها، مما أثار طعوناً قانونية واحتجاجات صريحة.
- العزوف الانتخابي المقلق: الذي ترجمته نسبة المشاركة الوطنية التي لم تتجاوز 38.02%، عاكسةً هوة عميقة بين المواطن وصناديق الاقتراع، وتجسيداً لأزمة ثقة حقيقية، خصوصاً في صفوف الشباب بالمدن الكبرى.
ثالثاً: الإيجابيات والمكتسبات.. ومضات أمل في نفق العزوف
رغم سوداوية المشهد الانتخابي والخرقات المرصودة، لا يمكن إنكار وجود إيجابيات ومكتسبات لا بد من إبرازها بموضوعية نقدية تامة:
- ترسيخ التداول الديمقراطي وانتظام الاستحقاقات: مجرد إجراؤها في مواعيدها المحددة دستورياً يعد مكسباً مؤسساتياً يكرس استقرار الدولة ومؤسساتها.
- يقظة المجتمع المدني والملاحظة المستقلة: الدور الفعال الذي لعبته هيئات الملاحظة الوطنية والدولية في رصد العملية بكل شفافية ونقل النقائص للرأي العام بجرأة.
- النقاش العمومي حول قضايا التنمية: فرضت الانتخابات نقاشاً وطنياً صريحاً حول ملفات حارقة كالقدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، والتعليم، وجعلت الأحزاب مطالبة بتقديم حصيلتها وبرامجها أمام المواطنين.
- تجديد النخب وتحفيز الكفاءات: رغم هيمنة الوجوه التقليدية، إلا أن القانون الانتخابي فتح الباب أمام وجوه جديدة وشابات وشباب حاولوا اقتحام غمار العمل السياسي والبرلماني.
خاتمة نقدية: هل من مخرج لرد الاعتبار لصوت المواطن؟
عادت الكاميرات لتنطفئ، وانسحب المرشحون المظفرون نحو مكاتبهم الفخمة لبدء مشاورات تشكيل الحكومة والتحالفات البرلمانية. وفي الزقاق نفسه، ظل المحجوب والحسين يتابعان المشهد بصمت مطبق.
إن تجربة الانتخابات البرلمانية بالمغرب ليست مجرد أرقام بنسب المشاركة أو مقاعد موزعة تحت قبة البرلمان، بل هي مرآة لمدى نضج المنظومة السياسية بأكملها. إن الإصلاح الحقيقي وبناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن وصندوق الاقتراع يظل رهيناً بقطع الدابر نهائياً عن سماسرة الانتخابات وتطهير العمل السياسي من شوائب المال والسلطة. فبدون ديمقراطية حقيقية تنتج برامج تقترب بصدق من آلام وآمال المواطن البسيط، ستظل صناديق الاقتراع مجرد طقس موسمي فارغ من دلالاته الحقيقية.
مصادر ومراجع إضافية حول الموضوع:
- للاطلاع على التغطيات الشاملة والتقارير الإخبارية الرسمية، يمكنكم زيارة مواقع الصحف والقنوات التالية التي تناولت محطات الانتخابات المغربية:
سؤال تفاعلي للقارئ: في نظرك، ما هي الخطوة الأساسية الأولى التي يجب اتخاذها لإعادة الثقة للشباب وجعلهم يقبلون على صناديق الاقتراع بقناعة تامة؟
