قصة الراعي سليم: عندما يتحول المزاح إلى درس لا يُنسى
في أحضان الجبال تتربع قرية وادعة، وفيها فتا يدعى سليم يقضي معضم وقته بين الحقول الخضراء. لم يكن مجرد راعٍ بسيط يراقب أغنامه وهي ترعى العشب بهدوء، بل راعيا مفعماً بالحيوية وحب المزاح. وفي يوم من الأيام، وبينما كان الصمت يلف المكان، تسلل الملل إلى قلب سليم، مما دفعه للتفكير في حيلة طريفة يمازح بها أهل قريته ويُضفي بعض الإثارة على يومه الطويل.
حيلة بارعة أم غلطة فادحة؟
لم يكد سليم يُنهي تخطيط حيلته، حتى انطلق كالسهم نحو بيوت القرية، وهو يصرخ بأعلى صوت والذعر يرتسم على وجهه: «النجدة! النجدة! أنقدوني.. الذئب يأكل أغنامي!»
وقع صدى تلك الكلمات كالصاعقة على مسامع القرويين؛ ففزعوا لنجدته دون تفكير. ترك النجار منشاره، وألقى المزارع مِعزقه، وهبّ الجميع بأسلحتهم البسيطة من فؤوس وعصي، يركضون نحو المرعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقلوبهم تخفق خوفاً على رزق هذا الفتى الصغير.
| سليم يصرخ كاذبًا والناس يهرعون للمساعدة. |
وعندما وصلوا، وجدوا سليم يضحك بقهقة عالٍية ويقول: "لقد خدعتكم! لا يوجد ذئب، كنت أمزح فقط!"
غضب أهل القرية من تصرفاته وعادوا إلى منازلهم. وفي اليوم التالي، قرر أن يعيد سليم نفس الخدعة، فجاء الناس لنجدته مرة أخرى، ليجدوه يضحك عليهم مجددًا. حينها قال له أحد الحكماء: "يا سليم، لا تستخدم الكذب للمزاح، فالصدق أغلى ما يملكه الإنسان."
الدرس الحقيقي
لكن هذه المرة وقع مالم يكن في الحسبان؛ فبينما كان سليم مستقيا تحت ظل الشجرة، انشقت الشجيرات عن مفاجأة مخيفة: ذئب ضخم حقيقي! عيناه تلمعان بالجوع، وبدأ في الانقضاض على الأغنام المذعورة.
تجمدت الدماء في عروق سليم، وركظ نحو القرية بقلبٍ يخفق من الرعب الحقيقي، يصرخ والدموع تخنق صوته: «أنقدوني! الذئب هنا حقاً! أقسم أنه ذئب حقيقي!»
في الجهة الآخر، سُمعت صيحاته في أذان القرويين، لكنهم لم يهتمًُوا. تبادلوا نظرات السخرية، وقال أحدهم ببرود: «ها هو يعود لمزاحه ثانية»، بينما قال الأخر وهو يكمل عمله: «ليصرخ كما يشاء، لن نلدغ من جحره مرتين، فقد انتهى وقت المزاح يا سليم».
النهاية الحزينة: عاقبة الكذب
عاد سليم إلى أغنامه في المرعى وهو يذرف دموع الندم، لكن بعد فوات الأوان؛ وجد أن الذئب قد افترس جل أغنامه وشتت ما تبقى منها. في تلك اللحظة، أدرك أن خسارته لم تكن في الأغنام فحسب، بل في ثقة الناس التي هي أغلى ما يملك الإنسان. جلس وحيداً يراقب الفراغ، وقد حُفر في ذاكرته درس لن ينساه أبدًا.
قيمة الصدق: الصدق هو الحصن الذي يحميك وقت الشدة؛ فمن عرف بالصدق هبّ الناس لنجدته.
عاقبة الكذب: الكذاب لا يصدقه أحد، حتى ولو نطق بالصدق في أمسّ الحاجة إليه.
الثقة أمانة: بناء الثقة يستغرق سنوات، لكن هدمها لا يحتاج إلا لكذبة واحدة.
الجدية في طلب المساعدة: المزاح في مواقف الخطر يُفقد الاستغاثة قيمتها ويجعل الآخرين يتجاهلون النداءات الحقيقية.