كرنفال بيلماون الدولي.. نبض التراث الأمازيغي وسحر اللقاء العالمي

كريم للتدوين
المؤلف كريم للتدوين
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

تصميم جرافيكي ملون لكرنفال بيلماون بودماون في سوس ماسة يظهر شخصاً يرتدي جلود الأكباش والقرون التقليدية مع فرق فلكلورية مغربية ودولية في استعراض ثقافي.

كرنفال بيلماون الدولي بإنزكان: عندما ترتدي الجلود عباءة الدبلوماسية الثقافية

مقدمة: نبض التراث اللامادي في قلب سوس

لم تكن الرياح التي هبت على أزقة مدينة إنزكان مع مغيب شمس الأربعاء رياحاً عادية، بل كانت رياحاً محملة بعبق التاريخ، تحمل في طياتها رائحة الصوف العتيق، ودفء الطقوس الطينية التي نمت بين جبال الأطلس وصحراء سوس منذ آلاف السنين. إنها اللحظة التي تستعد فيها عمالة إنزكان آيت ملول للتحول على مدى خمسة أيام كاملة إلى ملتقى حي لثقافات العالم، بمناسبة احتضانها لفعاليات الدورة التاسعة للكرنفال الدولي بيلماون.

هذا الموعد الثقافي السنوي المتجدد لم يعد مجرد احتفال شعبي عابر، بل إنه يرسخ مكانته كواحد من أبرز التظاهرات التراثية على الصعيدين الوطني والدولي. وتنطلق دورة هذه السنة تحت شعار دال وعميق: الدبلوماسية الثقافية المغربية.. التراث اللامادي في خدمة الوحدة الترابية للمملكة. إنه تأكيد واضح على الأدوار الاستراتيجية التي تضطلع بها الثقافة كرافعة أساسية للتقارب بين الشعوب، وأداة دبلوماسية ناعمة لتعزيز الإشعاع الحضاري للمملكة والدفاع عن قضاياها المصيرية.

وفي عمق هذه الأجواء، تبرز حكايات إنسانية تختزل صراع الأجيال وتمازج الهويات، حيث تلتقي أصالة الأجداد بحماس الأحفاد، وحيث يتحول الجلد الحيواني البسيط إلى لغة عالمية تتحدث بها شعوب من مختلف القارات.

الفصل الأول: همس الجلود العتيقة وسر الأجداد

في زاوية مظلمة من بيت طيني قديم في حي تكمي أوفلا العتيق، كان الحاج إيدير يجلس على مصطبة خشبية عريضة، وعيناه الغائرتان تلمعان تحت ضوء قنديل زيتي ضئيل. أمامه، تراكمت جلود الأكباش والماعز التي جُففت بعناية فائقة طوال الأسابيع الماضية، ورُشت بمساحيق الملح، والشَّب، والأعشاب البرية العطرية لمنع تلفها ولطرد الرطوبة منها.

كان الحاج إيدير يتنفس ببطء، وكأنه يستمع إلى نبض تلك الجلود الصامتة. بالنسبة له، فإن بيلماون ليس مجرد مهرجان أو استعراض بهلواني، بل هو اللحظة السحرية التي تذوب فيها الحدود بين الماضي والحاضر، حيث يرتدي الإنسان قناع الكائن الآخر ليعبر عن أعمق أسرار الوجود الإنساني، وعن انتصار الحياة والخصوبة على الموت والفناء.

قطع حبل أفكاره دخول حفيده شابور، وهو شاب في مقتبل العمر، يجمع في ملامحه بين أصالة أهل سوس وعصرنة الجيل الجديد. كان يحمل هاتفاً ذكياً، وتظهر على وجهه علامات الحماس والقلق في آن واحد.

تساءل شابور بصوت يفيض بالحماس: هل كل شيء جاهز يا جدي؟ الوفود الدولية بدأت تصل بالفعل إلى قلب المدينة. لقد رأيت قبل قليل حافلة فرنسية وأخرى تحمل لوحات بلغارية عند مدخل المدينة الرئيسي. الفنادق ممتلئة عن آخرها، والناس في الساحات يتحدثون بكل لغات العالم. إنها الدورة التاسعة، والجميع هنا يجمع على أنها ستكون الدورة الأكبر والأكثر إثارة في تاريخ الإقليم.

ابتسم الحاج إيدير ابتسامة غامضة تختزل عقوداً من الذكريات، ومرر يده الخشنة التي حفرت فيها السنون أخاديد عميقة على جلد كبش أسود داكن، ذي قرون ملتوية ضخمة وقوية. وقال بصوت هادئ ولكنه حازم: العالم يأتي إلينا يا بني، لأننا نملك ما فقدوه في غمرة التطور المادي المفرط. نحن نملك الروح، ونملك الجذور. لكن تذكر جيداً، بيلماون هذا العام ليس مجرد رقص أو قفز في الشوارع. إنه أمانة وطنية غالية. عندما رفع المنظمون شعار الدبلوماسية الثقافية، فهم يعنون أن كل خطوة تخطوها وأنت ترتدي هذا الجلد، وكل ضربة بحوافر الماعز على الأرض، هي رسالة مشفرة للعالم بأسره بأن هذه الأرض لها جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وأن تراثنا هو حارس وحدتنا الترابية.

في تلك اللحظة بالذات، وانقطع التيار الكهربائي فجأة عن الحي القديم كجزء من طقوس التهيئة النفسية التي تسبق المهرجان، أو لعلها الصدفة التي تخدم الأسطورة. ساد صمت مطبق في الدروب الضيقة، ثم ارتفع من بعيد صوت ضربات دف خفيفة منتظمة؛ إيقاع بطيء، غامض، تتبعه صيحات مبحوحة وحشرجات غريبة. شعر شابور بقشعريرة تسري في جسده بالكامل. كان ذلك الإيقاع بمثابة إيذان رسمي بأن احتفالات إسوياس التقليدية قد بدأت، وأن الأيام الخمسة التي ستغير وجه الإقليم قد انطلقت رصاصتها الأولى.

الفصل الثاني: ليلة إسوياس.. انبعاث الأسطورة في الساحات التقليدية

مع بزوغ خيوط الفجر الأولى ليوم الخميس، تحولت جغرافيا عمالة إنزكان آيت ملول إلى مسرح مفتوح وتوزعت الأنشطة على جغرافيا الإقليم لتقريب الاحتفالات من الساكنة والزوار عبر برنامج غني وحافل. كانت البداية من الساحات التقليدية الأصيلة التي تشمل آسايس تكمي أوفلا، وأيت أوبيه، والحوري، وتناعورت. كانت هذه الفضاءات بمثابة غرف عمليات تراثية لتهيئة الأجواء واستحضار عمق الموروث المحلي.

في ساحة أيت أوبيه، كانت الأجواء مشحونة بطاقة غريبة لا يمكن تفسيرها بالكلمات. الرجال والشباب يتجمعون في حلقات مغلقة وصارمة، يرتدون الجلود التي خيطت بعناية فائقة على أجسادهم العارية إلا من مآزر قطنية خفيفة. رائحة القطران السوسي النقي ومسحوق الملح تملأ الأجواء، ممزوجة برائحة بخور الصندل والجاوي التي تصاعدت من المباخر الطينية التقليدية لتهدئة النفوس وإضفاء نوع من القدسية والغموض على الطقس.

كان شابور قد اتخذ قراره النهائي بعد استشارة جده؛ سيرتدي جلد الكبش الأسود الأسطوري. بمساعدة أربعة من أصدقائه المقربين، لُف جسده بسبعة جلود كاملة نُظفت بعناية، ورُبطت بالحبال المتينة بحبكة هندسية تقليدية معقدة حتى صار يبدو ككائن خرافي مهيب خرج للتو من الأساطير الأمازيغية القديمة. وضع القناع المخيف على وجهه، وحمل في يده حوافر الأكباش المعلقة بخيوط جلدية غليظة.

قبل أن يندفع إلى الساحة، أمسكه جده الحاج إيدير من كتفه وهمس في أذنه بنبرة صارمة: عندما تخرج إلى آسايس، لا تنظر خلفك أبداً، ولا تتكلم بلسان البشر. دع الجلد هو الذي يتكلم، ودع الأرض تستمع إلى خطواتك.

اندفع شابور إلى وسط ساحة أيت أوبيه التي كانت غاصة بآلاف الساكنة المحلية والزوار الأجانب الذين شكلوا دائرة ضخمة ومحكمة. في وسط الدائرة، كانت مشاعل النار تشتعل وتلقي بظلالها الراقصة على الجدران الطينية القديمة، والمجموعات التراثية تضرب بقوة وتناغم على الندير والتالونت، وهي الدفوف الأمازيغية التقليدية.

وفجأة، اقتحمت كائنات بيلماون الساحة دفعة واحدة. طار الغبار في الهواء، وتعالت صيحات النساء بالزغاريد، وتراجع الأطفال إلى الوراء بمزيج من الخوف والبهجة العارمة. بدأ بيلماون يركض بحركات بهلوانية سريعة ومدروسة، يضرب الأرض بحوافره، ويمسح بجلده الصوفي على أكتاف الحاضرين تبركاً. ووفقاً للموروث الشعبي المحلي، فإن لمسة جلد بيلماون أو ضربة حافره تجلب الحظ والبركة، وتطرد النحس والطاقة السلبية.

وسط تلك الحشود المتلاطمة، كان هناك رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، يرتدي معطفاً أنيقاً ويحمل كاميرا احترافية ذات عدسة ضخمة لا تتوقف عن التقاط الصور. كان هذا ستيفان، باحث أنثروبولوجي فرنسي جاء من جامعة السوربون خصيصاً لدراسة هذا الطقس الأنثروبولوجي الفريد. التقت عيناه الفاحصتان بعيني شابور المخفيتين وراء ثقوب القناع الأسود. شعر ستيفان بهيبة ورهبة لم يعهدها في المهرجانات الاحتفالية الأوروبية.

لوحة فنية تعبيرية لكرنفال بيلماون وسحر التراث اللامادي الأمازيغي بمشاركة فرق استعراضية مغربية ودولية في جهة سوس ماسة.

تقدم شابور نحو الباحث الفرنسي بخطوات واسعة ومهيبة، ورفع حوافره عالياً في الهواء، ثم ضرب الفضاء بقوة أمامه كإشارة تحدٍ طقوسية، قبل أن يربت على كتف ستيفان برفق ومودة. التقط ستيفان الصورة في تلك اللحظة بالذات، وبدت عليه علامات التأثر الشديد، وصاح بالفرنسية بصوت مسموع: هذا مذهل حقاً! هذا ليس مجرد تمثيل مسرحي أو رقصة فلكلورية، هذا تنفس حي للتاريخ البشري!

استمرت احتفالات إسوياس التقليدية حتى ساعة متأخرة من الليل. كانت الساحات الأربع تشتعل حماساً وحركة، في تمازج فريد بين عبق الماضي وحداثة التنظيم، لتعلن إنزكان للعالم أجمع أنها فتحت بوابتها السحرية لاستقبال ثقافات الكون.

الفصل الثالث: صخب الدشيرة.. عندما تتكلم الموسيقى وتذوب لغات العالم

إذا كان يوم الخميس هو يوم الطقس والروح والعودة إلى الجذور، فإن يومي الجمعة والسبت كانا بمثابة إعلان الانفتاح الفني والاحتفال الصاخب. حيث انتقل الثقل الاستعراضي والجماهيري إلى سهرات فنية كبرى تحتضنها ساحة الحفلات بالدشيرة الجهادية وساحة جماعة إنزكان، بمشاركة نخبة من الفنانين والمجموعات الموسيقية التي تمثل مختلف التعبيرات الفنية الوطنية والدولية.

تحولت الساحتان إلى مسارح عملاقة في الهواء الطلق، واحتشدت الجماهير التي قُدرت بعشرات الآلاف من المواطنين والسياح، مما خلق أمواجاً بشرية تموج بالحياة تحت أضواء الكشافات الحديثة.

في كواليس مسرح الدشيرة العريض، كانت الأجواء تعج بالتنوع التعددي الثقافي الذي يسر الناظرين. هنا فرقة موسيقية أمازيغية من جبال الأطلس تضبط أوتار لوتر والرباب، وهناك فرقة استعراضية تراثية قادمة من دولة بلغاريا، يرتدي أعضاؤها أزياءهم التقليدية المزركشة الملونة ويحملون طبولاً خشبية ضخمة تشبه في رنينها دقات الرعد. وبالقرب منهم، كانت فرقة من جزر الكناري تضبط إيقاعات قيثاراتها الأطلسية الدافئة، والتي تشبه إلى حد كبير الإيقاعات الموسيقية الأمازيغية المحلية.

التقى شابور، الذي كان قد تخفف من جلوده الثقيلة مؤقتاً ليعمل كمتطوع في اللجنة التنظيمية واللوجستية للكرنفال، بشابة بلغارية تدعى يلينا، كانت تستعد للصعود إلى منصة المسرح مع فرقتها الاستعراضية. كانت يلينا تراقب الجمهور الضخم المتراص بعيون ملؤها الدهشة والذهول.

سألته يلينا بلغة إنجليزية شابتها لكنة شرق أوروبية واضحة: هل هذا الكرنفال الضخم يُقام كل عام في هذه المدينة؟ إن حجم الجمهور هنا مرعب ومذهل في آن واحد!

أجابها شابور بابتسامة فخر واعتزاز: نعم يا يلينا، إنه موعدنا السنوي المتجدد. ولكن دورة هذه السنة تعتبر دورة استثنائية بكل المقاييس. نحن نستخدم فننا وتراثنا اللامادي لنقول للعالم من نحن ومن أين جئنا. انظري إلى تلك الرايات الوطنية المرفوعة في كل مكان، إنها تمثل وحدتنا الترابية وتماسك هويتنا الوطنية من طنجة إلى الكويرة. الثقافة بالنسبة لنا هي لغتنا الدبلوماسية الناعمة.

هزت يلينا رأسها موافقة وقالت وهي تنظر إلى تفاصيل الوجوه في الساحة: هذا رائع حقاً. تدرك، في بلغاريا لدينا طقس تراثي عريق ومشابه جداً لهذا الطقس، يسمى كوكيري. نحن أيضاً نرتدي فيه الجلود والأقنعة المخيفة والمرعبة لطرد الأرواح الشريرة وجلب الخصوبة في فصل الشتاء. لم أكن أتخيل أبداً أو يخطر ببالي أنني سأجد طقساً يشبه ثقافتنا الوطنية في تفاصيله وجوهره هنا في قلب المملكة المغربية! هذا يؤكد أن الثقافة الحقيقية تلغي المسافات الجغرافية وتوحد البشر.

عندما صعدت الفرقة البلغارية إلى المنصة، واختلطت دقات طبولهم القوية بإيقاعات رقصة أحواش المغربية العريقة التي كانت تؤديها فرقة محلية موازية من أقاليم جهة سوس ماسة، حدثت تلك المعجزة الثقافية والإنسانية التي يطمح إليها الكرنفال. بدأت الجماهير المغربية العريضة بالتفاعل والرقص التلقائي على الإيقاع البلغاري، واختلطت الألوان والأصوات والأزياء في لوحة فنية ساحرة تعكس غنى التراث الإنساني وتنوعه.

في تلك الليلة، وتحت سماء الدشيرة الصافية المرصعة بالنجوم، تجسد شعار الدورة التاسعة حرفياً على أرض الواقع. الدبلوماسية الثقافية المغربية لم تعد مجرد شعار مكتوب على لافتات المهرجان، بل تحولت إلى حقيقة ملموسة تعيشها الشعوب وتتفاعل معها على خشبة المسرح، حيث تلاشت كل لغات الكلام البشري، وسادت لغة واحدة موحدة؛ لغة الموسيقى، والرقص، والتراث الإنساني المشترك.

الفصل الرابع: شارع محمد الخامس.. زلزال الألوان والطوفان البشري الكرنفالي

وصل الكرنفال الدولي إلى ذروته الكبرى يوم الأحد، من خلال الاستعراض الكرنفالي الكبير على طول شارع محمد الخامس الرابط بين الدشيرة الجهادية وإنزكان. كان هذا اليوم هو الحدث الأبرز الذي ينتظره الصغير والكبير، والمحطة التي توثق القيمة الحقيقية للتظاهرة.

تم إغلاق الشارع الرئيسي تماماً أمام حركة المرور منذ الساعات الأولى للصباح، وتحول الشارع الفسيح الذي يمتد على مسافة كيلومترات طويلة إلى نهر بشري هادر ومائج. شرفات الشقق السكنية غصت بالعائلات، وأسطح المنازل والمحلات التجارية تحولت إلى مدرجات لمئات المشاهدين، بينما ضربت قوات الأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية طوقاً تنظيمياً محكماً وصارماً لتأمين الممر الرئيسي المخصص للموكب الاستعراضي وضمان سلامة الجميع.

عند نقطة الانطلاق الرسمية، كان المشهد يفوق كل حدود الوصف السردي. أكثر من ألف ممارس لطقس بيلماون اصطفوا في مجموعات منظمة ومحكمة التصنيف. بعضهم كان يرتدي جلوداً بيضاء ناصعة البياض خالية من العيوب، وبعضهم الآخر اختار الجلود البنية والرمادية الداكنة، بينما ابتكرت مجموعات شبابية أخرى مجسمات وأقنعة ضخمة ومبتكرة تعبر عن قضايا بيئية كالتغير المناخي وقضايا اجتماعية محلية، مستخدمين في ذلك مواد معاد تدويرها بطرق إبداعية تزاوج بين الأصالة والمعاصرة.

ومن ورائهم مباشرة، كانت الوفود الدولية تصطف بكامل أناقتها التراثية: فرنسا بفرقها الاستعراضية المعاصرة التي تدمج الموسيقى بالخدع البصرية، وبلجيكا بفرقها الإيقاعية المنضبطة، وجزر الكناري برقصاتها الأطلسية الحيوية، إلى جانب فرق وطنية تمثل مختلف جهات المملكة، لا سيما الأقاليم الجنوبية المسترجعة، والذين جاؤوا بملابسهم الدروية والحسانية المميزة ليشاركوا إخوانهم في سوس رسم هذه اللوحة الوطنية المتكاملة.

أعطيت الإشارة الرسمية لانطلاق الموكب. انطلقت الموسيقى الهادرة من سيارات البث الصوتي الضخمة المتنقلة، واهتزت جنبات شارع محمد الخامس على وقع الهتافات والطبول.

كان شابور في مقدمة فرقة مدينة إنزكان، مرتدياً جلود الكبش الأسود وقناعه المهيب. كان يتقدم بخطوات إيقاعية مدروسة وثابتة، يحيط به أصدقاؤه الذين كانوا يضربون الدفوف بحماس منقطع النظير. كان الأدرينالين يتدفق بقوة في عروقه، ولم يعد يشعر مطلقاً بثقل الجلود التي تزن أكثر من عشرين كيلوغراماً مطوقة جسده، كما لم يعد يكترث بحرارة الشمس المرتفعة. كان يشعر في تلك اللحظات الرمزية العميقة أنه لا يحمل مجرد جلود كبش، بل يحمل على كتفيه تاريخ وجغرافيا وثقافة أجداده بالكامل، ويعرضها بكل فخر أمام العالم.

بجانبه، كانت الفرقة الفرنسية تقدم عروضاً تعبيرية حركية مذهلة تستخدم الألوان الفوسفورية التفاعلية، بينما كانت وفود جزر الكناري تقفز في الهواء برشاقة على نغمات الجيتار الإسباني الكلاسيكي. امتزجت الأهازيج الحسانية القادمة من جنوب المملكة مع إيقاعات روايس سوس الأمازيغية، لتشكل سيمفونية وطنية منسجمة تجسد بوضوح قيم الانفتاح والتبادل الثقافي التي تميز الهوية المغربية المتعددة الروافد.

أثناء تقدم الموكب، رصد شابور وسط الحشود عائلة سياحية ألمانية تضم أباً وأماً وطفلة صغيرة لا تتجاوز الخمس سنوات، كانت تجلس فوق كتفي والدها وتنظر بدهشة ممزوجة بالخوف الخفيف إلى الكائنات الجلدية. توقف شابور تماماً أمامهم، وحرك قرونه الضخمة ببطء ونعومة مداعباً الطفلة الصغيرة التي سرعان ما تبدد خوفها وانفجرت ضاحكة بصوت عالٍ. ثم مد يده وحك بحوافره الخشبية برفق ومودة على كتف الأب، وهي الحركة التقليدية التي تعني منح البركة والأمان.

انفجرت الجماهير المحيطة بالموقف بالتصفيق الحار والهتاف الجنوني إعجاباً بهذا السلوك الراقي. ورصدت القنوات التلفزيونية الوطنية والدولية، بالإضافة إلى كاميرات الصحافة الرقمية التي كانت تغطي الحدث مباشرة، هذه اللقطة العفوية الإنسانية. في تلك اللحظة بالذات، كان كرنفال بيلماون يرسل للعالم أجمع أبلغ وأقوى رسائله: المغرب كان وسيظل دائماً أرضاً للسلام، وأرضاً للتلاقي الإنساني، وأرضاً للتراث الحي الذي يرفض الفناء والنسيان.

استمر الاستعراض الكرنفالي الكبير لساعات وساعات دون توقف، والشارع الرئيسي لا يهدأ ولا يكل. كل متر مربع في شارع محمد الخامس كان شاهداً حياً على قصة لقاء ثقافي وتاريخي فريد من نوعه، حتى بدأت الشمس تلوح للغروب وتلونت السماء بلون برتقالي ساحر، تاركة وراءها ذكريات حية لن تنمحي أبداً من ذاكرة الإقليم وساكنته.

الفصل الخامس: آيت ملول.. الستار يسدل والأثر الاقتصادي والتنموي يبقى

لم ينتهِ الكرنفال بانتهاء استعراض الأحد الكبير. فمع حلول يوم الإثنين، كان الموعد مع الفصل الختامي للتظاهرة، حيث يسدل الستار على هذه النسخة باستعراض كرنفالي بهيج بمدينة آيت ملول المجاورة، وذلك بهدف توسيع دائرة الاحتفال وإمتاع جمهور أوسع من الساكنة التي تعشق هذا الموروث.

وعلى الرغم من التعب الشديد والإرهاق البدني الواضح الذي نال من مئات الشباب والمشاركين بعد أربعة أيام متواصلة من الركض، والقفز، والرقص، وحمل الجلود الثقيلة، إلا أن الحماس في شوارع مدينة آيت ملول كان مضاعفاً وقوياً. خرجت العائلات بأكملها إلى الشوارع الرئيسية، واصطف الشباب والأطفال على جنبات الطرقات لاستقبال الموكب الختامي.

كان الاستعراض الختامي في آيت ملول بمثابة تلخيص مكثف وعميق لكل ما حدث في الأيام السابقة. سارت الفرق الوطنية والدولية جنباً إلى جنب، كتفاً بكتف، في انسجام تام؛ الأمازيغي بجانب البلغاري، والفرنسي بجانب الصحراوي المغربي. تلاشت كل الفوارق الإثنية والجغرافية، وأصبح الجميع فرقة عالمية واحدة تحتفي بالإنسانية وتثمن قيم التراث اللامادي.

في ساحة الحفل الختامي الكبرى بمدينة آيت ملول، أقيمت منصة شرفية ضخمة بحضور شخصيات رسمية وثقافية بارزة. وتم تخصيص فقرات التكريم للوفود الدولية والمحلية المشاركة وتوزيع الدروع التذكارية والجوائز التقديرية. وصعد الحاج إيدير، باعتباره واحداً من أقدم قيدومي ممارسي طقس بيلماون في الإقليم، إلى المنصة ليتم تكريمه وسط عاصفة من التصفيق الحار والزغاريد التي هزت أركان المدينة.

وقف شابور بجانب جده على المنصة، يمسك بيده الخشنة ويدعمه، وهو يرى دموع الفرح والفخر تترقرق في عيني الشيخ العجوز الذي أفنى حياته في الحفاظ على هذا الموروث من الاندثار.

التفت الحاج إيدير نحو حفيده، ونظر بتمعن إلى الساحة الممتلئة بالبشر عن آخرها، وإلى السياح الأجانب الذين كانوا يرتدون القبعات المغربية التقليدية الملونة ويحملون تذكارات بيلماون المصنوعة محلياً، وقال بصوت متهجج يفيض بالعاطفة: اليوم يا بني، أستطيع أن أغمض عيني وأنا مطمئن البال تماماً على مستقبل تراثنا. بيلماون لم يعد مجرد لعبة شعبية بسيطة كنا نلعبها في دروب قرانا القديمة النائية بعد انقضاء عيد الأضحى للتسلية. لقد تحول اليوم بفضل وعي شبابنا وعملهم الدؤوب إلى جسر ثقافي عالمي متين يربط مدينة إنزكان بالعالم بأسره، وأصبح درعاً ديبلوماسياً ناعماً يحمي هويتنا الأمازيغية العريقة ووحدتنا الترابية الوطنية. انظر إليهم جميعاً يا بني.. إنهم يستعدون للرحيل إلى بلدانهم، ولكنهم لن يرحلوا فارغي الأيدي، بل سيأخذون معهم جزءاً من روحنا وثقافتنا وتاريخنا إلى أركان العالم الأربعة.

ومع إطلاق الشهب الاصطناعية الملونة التي زينت سماء مدينة آيت ملول بألوانها الزاهية البراقة، أعلن المنظمون رسمياً إسدال الستار على فعاليات الدورة التاسعة للكرنفال الدولي بيلماون، وسط وعود بلقاء متجدد في دورات قادمة أكثر إبداعاً وتميزاً.

تفرق الجمع الغفير ببطء، وبدأت الشوارع والساحات تستعيد هدوءها الساكن المعتاد. ولكن الأثر الذي تركته هذه التظاهرة لم يكن أثراً ثقافياً أو روحياً فحسب؛ بل إن الكرنفال حقق في مقدمة أولوياته هدفاً استراتيجياً يتمثل في تثمين الموروث الثقافي واللامادي للمنطقة وحمايته وصونه في مجاله الأصلي، باعتباره رأسمالاً غير مادي يعكس الهوية الأمازيغية العريقة.

وإلى جانب هذا البعد التراثي والوطني، شكل الكرنفال دعامة أساسية لتحفيز وتنشيط الصناعات الثقافية والإبداعية بجهة سوس ماسة، وخلق دينامية سياحية واقتصادية قوية استفاد منها التجار المحليون، والحرفيون التقليديون، والشباب الفاعلون في المنطقة الذين انتعشت مشاريعهم وخدماتهم طوال أيام المهرجان، مما يفتح آفاقاً جديدة وجاذبة للسياحة الثقافية المستدامة بالجهة ككل. لقد انقضى الكرنفال كحدث زمني محدد بخمسة أيام، ولكنه انطلق كقوة دافعة ومحفزة نحو المستقبل، مؤكداً للجميع أن التراث اللامادي ليس مجرد ماضٍ يُستحضر للبكاء عليه، بل هو حاضر حي يُعاش ورأسمال حقيقي يُستثمر لصنع الغد المشرق.                                                                 

خاتمة: أفق متجدد للتراث الكرنفالي بالمغرب

في الختام، يثبت كرنفال بيلماون الدولي بإنزكان آيت ملول، عاماً بعد عام، أن الموروث الشعبي الأمازيغي قادر على تخطي الحدود الإقليمية ليصبح لغة عالمية مشتركة. إن النجاح الباهر للدورة التاسعة، والتحول الاستراتيجي نحو جعل الثقافة أداة للدبلوماسية الناعمة، يفتحان آفاقاً واعدة للسياحة الثقافية المستدامة بجهة سوس ماسة، ويؤكدان أن صون الذاكرة الجماعية هو حجر الزاوية لبناء مستقبل مشرق يزاوج بين الأصالة والمعاصرة.

لمتابعة التغطيات الإعلامية الشاملة والأخبار الثقافية والوطنية المرتبطة بهذا الحدث والتراث المغربي اللامادي، يمكنكم زيارة المصادر والمنابر الإخبارية التالية:

  • جريدة هسبريس الإلكترونية: للاطلاع على تحليلات معمقة ومقالات رأي حول أبعاد وتاريخ الطقوس الأمازيغية عبر رابط منصة هسبريس الثقافية.

  • موقع القناة الثانية المغربية (2M): لمشاهدة التغطيات المرئية والفيديوهات الحصرية لأجواء السهرات والمنصات التفاعلية خلال الكرنفال عبر رابط التغطية الخاصة بالقناة الثانية.                                                                                                وبما أن الثقافة والتاريخ هما مرآة الشعوب، فإننا في مدونة حكايات عرب لا نتوقف عند حدود الموروث المحلي، بل نبحر معكم في أعماق السير العربية والإسلامية العظيمة التي أسست لقيم العدل والإنصاف. وفي هذا السياق، ندعو زوارنا الكرام، وبشكل خاص النساء المهتمات بقصص الإنصاف والعدالة الاجتماعية، للانتقال من سحر سوس إلى قراءة قصة ملهمة من التاريخ الإسلامي حول سيرة أمير المؤمنين الفارق ومواقفه التاريخية في إنصاف المرأة عبر رابط المقال الكامل لسيرة عمر بن الخطاب على مدونة حكايات عرب.

تعليقات

عدد التعليقات : 0